عمر السهروردي
71
عوارف المعارف
وهذا الاختيار يلائم ويناسب من حيث الاشتقاق ، لأنه يقال : تصوف إذا لبس الصوف ، كما يقال تقمص إذا لبس القميص . ولما كان حالهم بين سير وطير ، لتقلبهم في الأحوال ، وارتقائهم من عال إلى أعلى منه ، لا يقيدهم وصف ، ولا يحبسهم نعت ، وأبواب المزيد علما وحالا عليهم مفتوحة ، بواطنهم معدن الحقائق ، ومجمع العلوم . فلما تعزر تقلدهم بحال تقيدهم لتنوع وجدانهم ، وتجنس مزيدهم ، نسبوا إلى ظاهر اللبسة ، وكان ذلك أبين في الإشارة إليهم ، وأدعى إلى حصر وصفهم ، لأن لبس الصوف كان غالبا على المتقدمين من سلفهم . وأيضا لأن حالهم حال المقربين كما سبق ذكره . ولما كان الاعتزاء إلى القرب وعظم الإشارة إلى قرب اللّه تعالى أمر صعب ، يعز كشفه والإشارة إليه ، وقعت الإشارة إلى زيهم سترا لحالهم ، وغيرة على عزيز مقامهم أن تكثر الإشارة إليه وتتداوله الألسنة ، فكان هذا أقرب إلى الأدب ، والأدب في الظاهر والباطن ، والقول والفعل ، عماد أمر الصوفية . وفيه معنى آخر ، وهو أن نسبتهم إلى اللبسة تنبئ عن تقللهم من الدنيا ، وزهدهم فيما تدعوا النفس إليه بالهوى من الملبوس الناعم ، حتى إن المبتدي المريد الذي يؤثر طريقهم ، ويحب الدخول في أمرهم ، يوطن نفسه على التقشف والتقلل ، ويعلم أن المأكول أيضا من جنس الملبوس ، فيدخل في طريقهم على بصيرة . وهذا أمر مفهوم معلوم عند المبتدي ، والإشارة إلى شئ من حالهم في تسميتهم بذلك أبعد من فهم أرباب البدايات ، فكأن تسميتهم بهذا أنفع وأولى . وأيضا غير هذا المعنى مما يقال إنهم سموا صوفية لذلك يتضمن دعوى . وإذا قيل سموا صوفية للبسهم الصوف كان أبعد من الدعوى ، وكل ما كان أبعد من الدعوى كان أليق بحالهم .